فصل: مسألة زيادة حمل أدى إلى عطب البعير بدون علم صاحبه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة جعل المكتري مالا لمن يأتيه الدابة الضالة:

وسألت ابن القاسم: عن الرجل يكري دابته الرجل أو يعيرها فتضل منه فيجعل المكتري جعلا لمن يأتيه بها فيأتيه بها، على من يكون ذلك الجعل؟ قال: على صاحبها إلا أن يشاء أن يسلمها بجعلها.
قال محمد بن رشد: يريد أنه يكون الجعل للمجعول له على المكتري الجاعل، ويكون صاحب الدابة بالخيار، إن شاء أخذ دابته وأدى الجعل، وإن شاء أسلمها له بجعلها، وهذا إذا كان الجعل الذي جعل للرجل فيها جعل مثله فأقل، وأما إن كان جعل له أكثر من جعل مثله فيلزمه للمجعول له ما جعل، ولا يكون له على صاحب الدابة إلا جعل مثله إن أراد أن يفتك دابته.
وقد مضى في رسم القضاء المحض من سماع أصبغ من كتاب الجعل والإجارة لمحمد بن المواز ما يدل على هذا، فقف على ذلك وتدبره، وبالله التوفيق.

.مسألة سؤال المكتري الحمال الزيادة والتغيير في الحمل:

ومن كتاب العرية:
وسئل: عن الرجل يتكارى الزاملة إلى مصر، فلما ركبها سأل الجمال أن يحوله في محمل ويزيده دينارا، أو كان تكارى محملا فسأل الجمال أن يحوله إلى زاملة ويرد عليه دينارا، أو الحمال هو الذي سأله ذلك ويكون قد نقد الكراء أو لم ينقد، ويكون قد ركب أو لم يركب، قال ابن القاسم: لا بأس بكل ذلك، إلا أن يكون نقد، فإن كان نقد لم يصلح للجمال أن يزيد شيئا إلا أن يكون ركب وسار بعض الطريق فلا بأس بزيادة الجمال؛ لأن الجمال إذا زاد شيئا قبل الركوب كان سلفا وكراء، وإذا ركب وسار بعض الطريق خرجا من التهمة.
فأما أن يزيده الراكب ويحمل على محمل فلا بأس به، ركب أو لم يركب، نقد أو لم ينقده.
قال محمد بن رشد: في بعض الروايات: فإن كان نقد لم يصلح للجمال أن يرد شيئا، وفي رواية ابن لبابة: أن يزيد كما وقع هاهنا، والمعنى في ذلك سواء؛ لأنه إذا زاد فهو يرد الزيادة مما قبض، وهذا لا يجوز في الكراء المضمون باتفاق، ويجوز في المعين على اختلاف.
فإن كان تكلم في هذه الرواية على كراء معين فهو خلاف ما مضى من قول مالك في أول رسم من سماع أشهب، والأولى أن يحمل هذا على الكراء المضمون، فلا يكون خلافا لما مضى في سماع أشهب؛ ولم ير انتقاله من المحمل إلى الزاملة، ومن الزاملة إلى المحمل فسخ دين في دين؛ لأنه ركوب في الوجهين جميعا، فيقرب بعضه من بعض، ولو أراد أن يتحول من الزاملة أو المحمل إلى جمل الأحمال والأعكام أو من جمل الأحمال والأعكام إلى ركوب زاملة أو محمل بزيادة من أحدهما أو من غير زيادة لم يجز؛ لأنه فسخ دين في دين على ما قاله في أول سماع أصبغ بعد هذا، ويجوز ذلك على مذهب ابن الماجشون فيما حكى عنه ابن حبيب من أنه يجوز أن يتكارى الرجل من المدينة إلى مكة دواب بأعيانها صفقة واحدة لمحامل وركبان ورجعته بأحمال مجلدة، أو الأحمال المجلدة هي الأول، والمحامل والركبان في الرجعة؛ لأن ذلك كله مشتبه، ولا يجوز أن يتكارى منه ظهرا بعينه لسقي شجر أو زرع مدة معلومة ومن بعدها حجة أو عمرة، أو لحجة وعمرة ومن بعدها سقي زرع أو شجرة وجيبة واحدة؛ لأنهما شيئان متباينان مختلفان.
وتحصيل هذا أن الكراء ثلاثة أجناس متوالية: أولها الركوب، ثم الحمل، ثم السقي والحرث، فيجوز أن يحول الركوب بعضه في بعض وإن اختلفت صفاته فكان بعضه زوامل وبعضه محامل، والحمل بعضه في بعض وإن اختلفت صفاته فكان بعضه أخفى من بعض وأكثر كراء، والحرث والسقي بعضه في بعض وإن اختلفت أيضا؛ لأن كل جنس منها يقرب بعضه من بعض، ولا يجوز على مذهب ابن القاسم تحويل جنس من هذه الأجناس في الآخر، ويجوز على مذهب ابن الماجشون تحويل الركوب في الحمل لقرب ما بينهما، وتحويل الحمل في السقي والحرث لقرب ما بينهما أيضا، ولا يجوز عنده تحويل الركوب في السقي والحرث لبعد ما بينهما.
وهذا في الكراء المضمون، ولا يجوز شيء منه في الكراء المعين إلا على القول بأن قبض أوائل الكراء قبض لجميع الكراء، وهو أصل قد اختلف فيه قول مالك على ما مضى في رسم حلف من سماع ابن القاسم، وسواء في ذلك كله كان بزيادة أو بغير زيادة إلا أن تكون الزيادة من المكري على اختلاف حسبما ذكرناه، وبالله التوفيق.

.مسألة زيادة حمل أدى إلى عطب البعير بدون علم صاحبه:

وقال في رجل اكترى بعيرا له من رجل يحمل عليه فزاد على حمله ما يعطب في مثله، ثم رد البعير إلى صاحبه وقد أنقصه وأهزله، فلما رأى صاحبه نحره، ثم علم بعد بزيادة الرجل وعطب البعير إلى صاحبه من ذلك، فما ترى؟
قال ابن القاسم: ينظر إلى قيمة البعير يوم أتى به، وينظر إلى فضل ما بين قيمته يوم تعدى ويوم رده إليه، فيكون صاحب البعير مخيرا إن أحب أن يرجع بفضل ما بين القيمتين فذلك له، وإن أحب أن يكون له الكراء ما تعدى مما زاد فذلك له، وذلك أن مالكا قال في الرجل يكتري من الرجل بعيره على حمولة فيزيد عليها فيعطب- قال: إن كانت تلك الزيادة لا يعطب في مثلها فليس له إلا كراء ما زاد مع الكراء الأول، وإن كان يعطب في مثلها فهو مخير في قيمة البعير يوم تعدى، أو كراء ما زاد، فمسألتك إذا نحره قبل أن يعلم فله فضل ما بين القيمتين، أو كراء ما زاد إن أحب، ورواها أصبغ.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة في سماع أبي زيد من كتاب كراء الدور والأرضين، وتقدم القول عليها هناك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة تلف الحمل بسبب عثر الدابة أو عطبها:

وسئل: عن الرجل يكري للبان يحمله على الإبل والدواب أو لحمولة شيء فتعثر الدابة أو ينقطع الحبل، أو تربض الدابة فينكسر ما عليها؟
قال مالك: كل ما جاء من سبب الحمال من قطع حبل أو عثر دابة أو ربضها أو نحو ذلك أو سفينة تغرق، فكل هذا إذا وقع فلا شيء للكري على رب المتاع فيما حمل ولا فيما بقي ويفسخ الكراء فيما بينهما، فإن كان غر الكري من دابته وهو يعرفها عثورا أو ربوضا أو نحو ذلك، أو غر من حبله فهو ضامن لما تلف ولا كراء له، وكل شيء أصاب المتاع من غير سبب الحمال من لصوص ذهبوا بالمتاع، أو سيل أو حرق فإن جميع الكراء لازم لرب المتاع فيما حمل وفيما بقي، ويقال له: احمل مثل متاعك الذي ذهب إلى المكان الذي اكتريت إليه، فإن شاء حمل، وإن شاء ترك، وجميع الكراء لازم له.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في بعض الروايات وهي صحيحة على قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وقد مضى في سماع أبي زيد من كتاب كراء الدور والأرضين من القول عليها ما فيه كفاية، وبالله التوفيق.

.مسألة طرء الكراء على الكراء:

ومن كتاب أوصى أنه ينفق على أمهات أولاده:
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يكتري الرجل إلى طرابلس بشيء مسمى لكل حمل أو كل محمل وينقد كراء طرابلس فقط، ويشترط أنه إذا جاء طرابلس فإن بدا له أن يبلغ إلى إفريقية فبحساب ذلك، وذلك لازم للكري إن أراد ذلك المستكري، فإن بدا له أن يتاركه تاركه.
وأما أن يكتري إلى إفريقية وينقد كراء إفريقية ويشترط إذا جاء طرابلس فتركه حاسبه، أو يكتري إلى طرابلس ويشترط إذا جاءها فإن بدا له أن يمضي إلى إفريقية مضى، وإن أراد أن يتاركه تاركه وينقد الكراءين جميعا: كراء طرابلس، وكراء إفريقية، فهذا لا يحل، وهذا بيع وسلف إلا ألا ينقد الكري شيئا، فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في أول سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة ضمان العطب الناشئ عن زيادة الحمل:

وقال في الذي يكتري على حمولة أرطال مسماة فيزيد عليها زيادة يعطب في مثلها: إنه ضامن في الإبل كلها، وإنما مثل ذلك كرجل اكترى دابة إلى الإسكندرية، ثم تعدى بها يريد إلى ترنوط فهلكت فهو ضامن، يريد: ولو خطوة واحدة.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة أن التعدي في الزيادة، بخلاف التعدي في المسافة، لا يضمن إذا عطب في الزيادة، إلا أن تكون زيادة يعطب في مثلها، ويضمن إذا عطب في الزيادة في المسافة وإن قلت، وكان لا يعطب في مثلها؛ لأن ذلك عداء صرف لم يؤذن له فيه، بخلاف إذا عطبت من الزيادة؛ لأنه مأذون له في تسييرها حيث عطبت.
وقد قال أبو إسحاق التونسي: إنه لا فرق بين الموضعين على التحقيق؛ لأنه إنما أذن له في تسييرها على صفة فوجب أن يضمنها إذا سيرها على غير الصفة التي أذن له في تسييرها عليها، وهو مخير بين أن يضمنه القيمة أو يأخذ منه كراء ما زاد في المسافة بالغة ما بلغت، أو كراء الزيادة بالغة ما بلغت بأن يقوم كراء الحمل دون زيادة وبالزيادة، فيكون له عليه ما بين القيمتين إن أراد أن يترك تضمينه، قاله في المدونة وغيرها، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يريد أن يعقب الرجل في شق محمله ويأبى الحمال:

وقال، في الرجل يريد أن يعقب الرجل في شق محمله ويأبى الحمال ذلك، قال: ذلك له إذا حمل مثله وليس للحمال أن يمنعه.
قال أصبغ: إن أعقب راكبا مريحا، كان ذلك له؛ لأنه مثله، وإن أعقب ماشيا فليس ذلك له؛ لأن ركوبهما مختلف، هو يكون أضر على البعير وأثقل عليه.
قال محمد بن رشد: الظاهر من قول ابن القاسم أن له أن يعقب ماشيا إذ لا غرض لأحد في أن يعقب راكبا، وقول أصبغ هو القياس، ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم أن ذلك أمر معروف قد جرى عليه الناس، فكأن الكري قد دخل عليه، وذلك إذا فعله المرة بعد المرة في الفرط على ما جرت به العادة، وكذلك قال مالك في كتاب ابن المواز: إذا كان عقبة بعد العقبة، وبالله التوفيق.

.مسألة اختلاف المتكاريين في محل انتهاء الكراء:

ومن كتاب سلف دينارا في ثوب إلى أجل:
وقال في الذي يتكارى من الرجل، فيختلفان، فيقول الكري: أكريتك إلى المدينة، ويقول المتكاري: تكاريت منك إلى المغرب- إن القول قول الكري ويتحالفان ويفسخ الكراء بينهما، وذلك إذا كانا في البلد لم يخرجا، وإن قال: تكاريت منك إلى مكة، وقال الكري: أكريتك إلى المدينة تحالفا وفسخ الكراء بينهما إلا أن يشاء المتكاري أن يركب إلى حيث سمى الحمال، وإن قال: أكريت منك إلى مكة، وقال الحمال: أكريتك إلى المدينة، وقد خرجا وسارا بعض الطريق فإن كان الحمال قد قبض الكراء فالقول قوله يمضي به حيث قال الحمال، ليس للمتكاري غير ذلك.
وإن كان لم يقبض الكراء فالقول قول المتكاري، وعلى الحمال أن يحمله إلى المدينة ويتحالفان ويتفاسخان من ذلك المكان، ثم يقسم الكراء فينظر كم بين المدينة إلى مكة، وكم هو من البلدة التي اكتري فيها إلى البلد الذي قال الحمال وتحالفا فيها، فإن كان الذي ركب ثلاثة أرباع الطريق دفع إلى الحمال ثلاثة أرباع الكراء وحبس الربع، فعلى هذا يحسب.
قلت: فإذا تناكرا في الكراء، فقال هذا: عشرة، وقال صاحب الظهر: خمسة عشر، وقد سارا أو لم يسيرا، فقال: إن كانا لم يسيرا تحالفا وتفاسخا، وإن كانا قد سارا فالقول قول المتكاري، وصاحب الظهر مدع؛ لأن المتكاري قد انتقد حمولته، قال: فإن قال: أكريتك إلى المدينة، وقال المتكاري: أكريت منك إلى مكة، وذلك في أيام الحج، فالقول قول المتكاري إذا كان في أيام الحج، ويحلف إذا كانت حمولته محامل وزوامل، فأما إن كان عكوما وأعدالا فالقول قول الكري إذا كان قد انتقد.
وإن تكارى منه كراء مضمونا إلى أجل ثم اختلفا بحضرة إيجاب الكراء، أو قرب ذلك في عدة الرواحل تحالفا وتفاسخا، وإن لم يختلفا حتى حل الأجل الذي يركب إليه فاختلفا، فقال: أكريت منك عشرة رواحل بمائة دينار، وقال الآخر: بل أكريت منك خمس رواحل بمائة دينار، فالقول قول الكري إذا كان يشبه، وكذلك لو سلف مائة دينار في قمح إلى أجل، فلما حل الأجل قال: إنما أسلفتكها في ثلاثمائة إردب. وقال البائع: بل في مائتي إردب، فالقول قول البائع إذا كان يشبه، فإن لم يكن يشبه فالقول قول المشتري إذا جاء أيضا بما يشبه، فإن لم يشبه نظر إلى سلم الناس يوم تبايعا فحملا عليه.
قال محمد بن رشد: قال: إذا اختلف المتكاريان في غاية المسافة، مثل أن يقول الكري أكريتك إلى المدينة، ويقول المتكاري: تكاريت منك إلى المغرب، يريد: والمدينة في طريق المغرب، أو يقول الكري: أكريتك إلى المدينة، ويقول المتكاري: تكاريت منك إلى مكة أنهما يتحالفان ويتفاسخان إذا كانا في البلد لم يخرجا، يريد: وكذلك إن خرجا إلى موضع قريب لا ضرر عليهما في الرجوع منه، وصفة أيمانهما أن يحلف الكري ما أكرى منه إلى المغرب، وما أكرى منه إلى مكة وليس عليه أن يزيد في يمينه، ولقد أكرى منه إلى المدينة، ولا أن يحلف ما أكرى منه إلا إلى المدينة، إلا أن يشاء ذلك، رجاء أن ينكل صاحبه عن اليمين، فلا يحتاج أن يحلف مرة أخرى، فإن حلف حلف المكتري، ما أكرى منه إلى المدينة، وليس عليه أن يزيد في يمينه ولقد اكترى منه إلى مكة أو إلى المغرب، ولا أن يحلف ما اكتريت منه إلا إلى مكة أو ما اكتريت منه إلا إلى المغرب، إذ لا فائدة لحلفه على ذلك، فإن حلفا جميعا انفسخ الكراء بينهما، وكذلك إن نكلا جميعا على مذهب ابن القاسم وهو قول شريح في المدونة فإن حلفا ترادا، وإن نكلا ترادا، وعلى ما ذهب إليه ابن حبيب أنهما إن نكلا كان القول قول المكري دون يمين على حكم المدعي والمدعى عليه أن القول قول المدعى عليه دون يمين إذا نكل المدعي بعد نكوله، وكما يكون القول قول من أقام شاهدا على حقه دون يمين إذا نكل المدعى عليه بعد نكوله بعد أن يحلف لقد أكرى منه إلى المدينة وهو صحيح من التأويل؛ لأن اليمين التي نكل عنها إنما هي التي ألزم إياها، وهي ما أكرى منه إلى مكة، وأما يمينه لقد أكرى منه إلى المدينة فلم ينكل عنها إذا لم يمكن منها، ولا ألزم إياها، وإنما يحلفها باختياره، نظرا لنفسه حسبما ذكرناه، وقد ذكرنا هذا المعنى في رسم الصبرة من سماع يحيى من كتاب جامع البيوع.
وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف منهما، إن نكل المكري أولا حلف المكتري لقد اكترى منه إلى مكة أو إلى المغرب ووجب له ذلك، وإن حلف المكري أولا ثم نكل المكتري عن اليمين لزمه الكراء إلى المدينة إن كان المكري حلف أولا أنه أكراه إلى المدينة أو أنه ما أكراه إلا إلى المدينة.
وأما إن كان حلف ما أكراه إلى مكة أو إلى المغرب فلابد له أن يحلف إذا نكل المكتري ثانية بالله لقد أكراه إلى المدينة، وسواء في هذا على مذهب ابن القاسم انتقد المكتري الكراء أو لم ينتقد.
وقال غيره في المدونة: إن كان انتقد فالقول قوله، وسواء في هذا أتيا بما يشبه أو بما لا يشبه أو أتى أحدهما بما يشبه والثاني بما لا يشبه على المشهور في المذهب، وقال ابن وهب: إن أتى أحدهما بما يشبه والثاني بما لا يشبه كان القول منهما قول من أتى بما يشبه، وقد روى هذا القول عن مالك، ويقوم ذلك من قول ابن القاسم في هذه الرواية أنهما إذا اختلفا فقال الكري: أكريتك إلى المدينة، وقال المكتري: اكتريت منك إلى مكة- إن القول قول المكتري، إذا كان ذلك في أيام الحج، وكانت حمولته محامل وزوامل، ولم تكن عكوما وأعدالا لأنه رأى بذلك قول أشبه، وقول الكري لا يشبه، واختلف هل ينفسخ الكراء بينهما بتمام التحالف أم لا ينفسخ حتى يفسخه الحاكم بينهما اختلافا كثيرا قد ذكرناه مستوفى في رسم الصبرة من سماع يحيى، من كتاب جامع البيوع، وأما إن كانا قد خرجا وسارا من الطريق ما يكون عليهما في الرجوع منه ضرر، فقال في الرواية: إن الحمال إن كان قبض الكراء فالقول قوله، يمضي به إلى المدينة، وليس للمتكاري غير ذلك، ومعنى ذلك إذا كانا جميعا قد أتيا بما يشبه، أو كان الكري منهما قد أتى بما يشبه، فإن نكل حلف المكتري، وكان القول قوله في الركوب بما نقد إلى الغاية التي ادعى، وأما إن أتيا جميعا بما لا يشبه فإنهما يتحالفان ويتفاسخان في الغاية التي اختلفا فيها وهي ما بين المدينة إلى مكة أو إلى المغرب، ويكون للمكري على المكتري في ركوبه إلى المدينة كراء المثل، فإن كان ذلك أكثر مما نقده وفاه البقية، وإن كان أقل مما نقده رد عليه المكري الزيادة، وكذلك إن نكلا جميعا، فإن نكل أحدهما وحلف الآخر كان القول قول الحالف منهما.
وأما إن أتى المكتري بما يشبه والمكري بما لا يشبه، فإنهما يتحالفان ويفض الكراء المنقود على المسافتين، فما ناب المسافة التي اتفقا عليها كان للمكري، وما ناب المسافة التي اختلفا فيها صرفه الكري على المكتري، وكذلك إن نكلا جميعا.
فإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف منهما.
وقال في الرواية: إن الحمال إذا كان لم يقبض الكراء فالقول قول المتكاري، وعلى الحمال أن يحمله إلى المدينة، ويتحالفان ويتفاسخان من ذلك المكان، ثم يقسم الكراء، فينظر كم بين المدينة إلى مكة، كم هو من البلدة التي اكتري فيها إلى البلد الذي قال الحمال ويتحالفان فيها، فإن كان الذي ركب ثلاثة أرباع الطريق دفع إلى الجمال ثلاثة أرباع الكراء وحبس الربع، فعلى هذا يحسب.
وكذلك الحكم إذا نكلا جميعا، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف منهما، فإن كان المكتري هو الذي نكل كان الكراء كله للكري فيما أقر به من المسافة، وإن كان المكري هو الذي نكل كان للمكتري الركوب إلى حيث ادعى، ومعنى ذلك إذا كانا جميعا قد أتيا بما يشبه، أو كان المكتري منهما قد أتى بما يشبه، وأما إذا لم يشبه قول واحد منهما فإنهما يتحالفان ويتفاسخان في المسافة التي اختلف فيها، ويكون للمكري في المسافة التي اتفقا عليها كراء مثلها، وكذلك الحكم أيضا إن نكلا جميعا، فإن نكل أحدهما وحلف الآخر كان القول قول الحالف منهما وإن لم يشبه؛ لأن صاحبه قد أمكنه من دعواه بنكوله عن اليمين.
وأما إن أشبه قول الكري دون المكتري فالقول قوله مع يمينه على دعوى المكتري، فإن نكل المكري عن اليمين كان القول قول المكتري، ويركب إلى حيث ادعى وإن لم يشبه؛ لأن الكري قد أمكنه من ذلك بنكوله.
وقال بعد ذلك: إذا اختلفا في الكراء واتفقا على المسافة إنهما يتحالفان ويتفاسخان إن لم يسيرا إلا يسيرا، وإن كانا قد سارا كثيرا فالقول قول المتكاري، وصاحب الظهر مدع لأن المتكاري قد انتقد حمولته وذلك صحيح، مثل قوله في المدونة وعلى أصل قوله فيها، وروايته عن مالك في اختلاف المتبايعين؛ لأن المتكاريين إذا اختلفا في الكراء ولم يسر المكتري أو سار يسيرا بمنزلة المتبايعين إذا اختلفا في ثمن السلعة ولم يقبض المشتري السلعة فوجب أن يتحالفا ويتفاسخا، وإذا اختلفا بعد أن سار المكتري كثيرا وإن لم يبلغ المسافة فهو بمنزلة إذا اختلف المتبايعان في ثمن السلعة بعد أن قبضها وفاتت، وإنما كان الركوب الكثير فوتا بمنزلة بلوغ المسافة من أجل أن التفاسخ لا يمكن في بعض الطريق إلا بضرر يدخل عليهما.
وهو معنى ما أراد بقوله؛ لأن المتكاري قد انتقد حمولته، يقول: لأنه قد وجب له الركوب إلى تمام غايته، وسواء كان الكراء مضمونا أو معينا، قاله في المدونة، ولغيره فيها ليس الراحلة بعينها كالمضمون. يريد، والله أعلم: أن القول قول المكتري في الكراء في الراحلة بعينها إذا قبضها وإن لم يسر إلا يسيرا، كما يكون القول قول المشتري في الثمن إذا قبض السلعة وإن لم تفت على قياس رواية ابن وهب عن مالك، وأنه لا يكون القول قوله في الكراء في الراحلة بغير عينها إلا فيما مضى من الطريق، ويكون القول قول الكري فيما بقى منه.
وإن كان دفع إليه جملا يركبه فلا يكون أحق به من الغرماء إن فلس، خلافا لابن القاسم في الموضعين.
وقوله: وإن قال: أكريتك إلى المدينة، وقال المتكاري: أكريت منك إلى مكة وذلك في أيام الحج، فالقول قول المتكاري، ويحلف إذا كان في أيام الحج وكانت حمولته محامل وزوامل يقوم منه أن المتبايعين إذا اختلفا في ثمن السلعة قبل القبض، وأتى أحدهما بما يشبه دون الآخر، وأن المتكاريين إذا اختلفا في الكراء أو في المسافة قبل الركوب، وأتى أحدهما بما يشبه دون الآخر أن القول قول الذي أتى منهما بما يشبه، ولا يتحالفان ويتفاسخان، وهو خلاف المشهور في المذهب.
وقد روي ذلك عن مالك، وهو قول ابن وهب في الدمياطية، قال في الذي يقول: اكتريت إلى الإسكندرية، ويقول المكري: أكريتك إلى الكريون، قال: ينظر، فإن كان الكراء يشبه كراء الإسكندرية حلف المتكاري، وكان القول قوله، وإن كان يشبه الكريون حلف المكري وكان القول قوله، وهو قول ابن القاسم في سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبات، وإليه ذهب ابن حبيب في بعض مسائله، منها إذا اختلفا في صفة النقد، وإذا ادعى أحدهما حلالا والآخر حراما.
وأما قوله: فأما إن كان عكوما أو أعدالا فالقول قول الكري إذا كان قد انتقد، فهو من قوله خلاف قوله في المدونة مثل قول غيره فيها: إن النقد المقبوض فوت، ومثل ما في رسم الصبرة من سماع يحيى من جامع البيوع، والمعنى في ذلك: إذا كانت حمولته عكوما وأعدالا، أشبه قول كل واحد منهما؛ لأن كونهما في إبان الحج يشهد للمكتري، وصفة الأحمال تشهد للكري، فوجب أن يتحالفا ويتفاسخا إلا أن يكون قد انتقد الكراء فيكون القول قوله، وذلك نص قول غير ابن القاسم في المدونة: إن النقد المقبوض فوت.
وقوله: إذا تكارى منه كراء مضمونا ثم اختلفا في عدة الرواحل إنهما يتحالفان ويتفاسخان إن كان ذلك بحضرة إيجاب الكراء أو قربه، وأنه يكون القول قول الكري إن كان اختلافهما بعد حلول الأجل، وأن ذلك بمنزلة من سلف دنانير في قمح فاختلفا في عدد المسلم فيه من القمح- هو نص ما في المدونة، وفي ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أن النقد المقبوض فوت.
والثاني: أنه لا يكون فوتا إلا بعد الغيبة عليه.
والثالث: أنه لا يكون فوتا إلا بعد الطول في السلع المعينات وحلول الآجال في السلم والكراء المؤجل.
والرابع: أنه لا يكود فوتا وإن طال وحل الأجل؛ لأن رد مثله كرد عينه. وقد مضى القول على هذا وبيانه في رسم الصبرة من سماع يحيى من كتاب جامع البيوع، وفي نوازل سحنون الثانية منه. وأما قوله فإن لم يشبه نظر إلى سلف الناس يوم تبايعا فحملا عليه، فمثله في أصل الأسدية، وفي كتاب ابن المواز، دليل ما في المدونة أنهما يتحالفان ويتفاسخان إذا أتيا جميعا بما لا يشبه، ويرد مثل الدنانير التي قبض وهو القياس والنظر؛ لأنه لا يقال إذا اختلفا في ثمن السلعة وقد فاتت، فقال البائع: بعتها بعشرة إلى شهر، وقال المشتري: اشتريتها بخمسة إلى شهر، وأتيا جميعا بما لا يشبه أنه يكون على المبتاع ما يباع به مثل تلك السلعة إلى شهر، وإنما تكون عليه قيمتها يوم قبضها، فكما يكون عليه قيمة السلعة، ولا يراعى الأجل الذي اتفقا عليه، فكذلك يكون عليه في السلم أن يرد الدنانير التي قبض ولا يراعي الأجل، والله أعلم وبه التوفيق.

.مسألة اشتراط المقاصة عند موت أحد المتكاريين:

ومن كتاب أسلم وله بنون صغار:
وقال ابن القاسم: لا خير في أن يكتري الرجل الدابة أو البعير أو غيره ويشترط على صاحب الدابة أو البعير أنه إن مات ببعض الطريق قاصه بما ركب وأخذ دابته أو بعيره.
قال محمد بن رشد: إنما قال: لا خير في ذلك من أجل أنه شرط فاسد مخالف للسنة في أن الكراء لا ينفسخ بموت أحد المتكاريين وإن كان ابن دينار يرى أن الكراء ينفسخ بموت المكتري فهو شذوذ، فالحكم فيه إذا وقع أن يفسخ الشرط ويجوز الكراء؛ إذ لا يؤول الكراء على الشرط إلا إلى الجهل بمبلغ مدة الكراء، لا إلى الجهل بقدر الكراء؛ لأنه يأخذ بحساب ما سار، وذلك في القياس كالصبرة تُشترى جزافا كل قفيز بدرهم؛ لأن الثمن معلوم، وعدد المبيع من الأقفزة مجهول، وعبد العزيز بن أبي سلمة لا يجيز ذلك، فعلى قياس قوله الكراء على هذا الشرط فاسد يفسخ، وتكون فيه القيمة إن لم يعثر عليه حتى فات والله أعلم.
وهذه المسألة تشبه في المعنى مسألة الرجل يكون له البز في البلد فيكري الدابة إليه، على أنه إن وجد بزه في الطريق رجع وكان له بحسابه، إلا أنها عند ابن القاسم أشد منها من أجل أنه شرط في الكراء خلاف سنته، ولذلك قال: لا خير فيه في هذه وأجاز تلك، وسحنون لا يجيز تلك فأحرى ألا يجيز هذه، ويأتي على مذهبه فيها أن يفسخ الكراء، فإن فات كانت فيه القيمة، ويشبه أن يكون الحكم فيها على مذهب ابن القاسم أن يفسخ ما لم يفت بالركوب؛ لقوله فلا خير في ذلك، فإن فات بالركوب مضى بالثمن وفسخ الشرط، وبالله التوفيق.

.مسألة دعوى المكتري صيال الدابة عليه:

ومن كتاب حمل صبيا على دابة:
قال ابن القاسم: ومن اكترى دابة فقال: قامت علي بالطريق فتركتها فهو مصدق ولا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: يريد بقوله ولا شيء عليه، أي لا غرم عليه؛ لأنه إنما يصدق مع يمينه إلا أن يتبين كذبه، مثل أن يكون في رفقة وجماعة من الناس فلا يعلم أحد ما يقول على ما مضى في رسم سن من سماع ابن القاسم، وقد مضى في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع القول في هذا المعنى مستوفى فلا وجه لإعادته هنا مرة أخرى، وبالله تعالى التوفيق.